-->
الفتاوى الشرعية على مذهب السادة المالكية الفتاوى الشرعية على مذهب السادة المالكية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

كيف يصح في التيمم مسح اليدين إلى الكوعين وهو واجب، بالضربة الثانية وهي سنة؟

 بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعد، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هديه ورشده.
أما بعد؛ فلما نشرتُ بقناة "نفحات من الفقه المالكي" على اليوتوب صفة التيمم وَفق المذهب المالكي؛ اعترض عليَّ البعض لكوني مسحتُ اليدين إلى الكوعين وهو واجب بالضربة الثانية وهي سنة؛ مستغربا: كيف أمسح الواجب بالسنة!؟ بناء على بعض الفديوهات المنتشرة في المواقع عن صفة التيمم وفق المذهب المالكي، وفيها المسح بالضربة الأولى الوجهَ والكفين، ثم بالضربة الثانية مسح اليدين إلى المرفقين مع تكرار مسح الكفين؛ وتوضيحا لهذا أقول:
● أولا: صفات التيمم الواردة عن الرسولﷺ وعن الصحابة وعن أئمة التابعين وعن المذاهب الأربعة أوصلها ابن رشد الجد لعشر صفات، ولم يأت بذكر هذه الصفة المنتشرة في هذه الفيديوهات، وأظن أنها لن تغيب عنه لو وردت وهو من هو؟!(1)؛ وأكتفي منها بذكر أربع صفات:
• أ) التيمم: ضربة واحدة للوجه والكفين فقط؛ قال به الإمام أحمد(2) بدليل حديث رواه البخاري عن عمار بن ياسر مرفوعا(3).
• ب) التيمم: ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين وهذا أوسطها وأحوطها؛ قال به الإمام مالك وأبوحنيفة والشافعي بدليل حديث رواه أبو داود عن عمار أيضا مرفوعا(4)، وحديث رواه الإمام مالك والدارقطني والبيهقي عن ابن عمر موقوفا(5).
• جـ) التيمم: ضربة للوجه وضربة لليدين إلى الآباط؛ قال به ابن شهاب الزهري(6) محتجا بحديث رواه أبو داود بإسناد صحيح(7) عن عمار مرفوعا).
• د) التيمم: ضربة للوجه فقط، وضربة أخري للوجه أيضا مع اليدين؛ قال به الحسن بن حَيّ الكوفيّ وابن أبي ليلى وهو أغربها(9)؛ قال ابن عبد البر: "وما أعلم أحدا قال ذلك غيرهما والله أعلم(10)، وكذلك قال الخطابي(11).
● ثانيا: الكيفية التي علمها الإمام مالك نفسه لطلبته كما في مدونة سحنون هي كالتالي: قال سحنون: "والتيمم ضربة للوجه، وضربة أخرى لليدين، ...ثم يمسح بهما وجهه، ثم يضرب ضربة أخرى بيديْه، فيبدأ باليسرى على اليمنى فيُمِرُّها من فوق الكف إلى المرفق، ويُمِرُّها أيضا من باطن المرفق إلى الكف، ويُمِرُّ أيضا اليمنى على اليسرى، وكذلك أرانا ابن القاسم بيديه وقال: هكذا أرانا مالك ووصف لنا"(12).
وكذلك علمها أبو حنيفة لطلبته؛ قال تلميذه أبو يوسف: "سألت أبا حنيفة -رحمه الله تعالى-عن التيمم فقال: الوجه والذراعان إلى المرفقين، فقلت: كيف؟ فمال بيده على الصعيد فأقبل بيديه وأدبر، ثم رفعهما ونفضهما، ثم مسح وجهه، ثم أعاد كفيه جميعا على الصعيد فأقبل بهما وأدبر، ثم رجعهما ونفضهما ثم مسح بكل كف ظهر ذراع الأخرى وباطنها إلى المرفقين"(13).
● ثالثا: أما كون مسح اليدين إلى الكوعين وهو واجب بالضربة الثانية وهي سنة؛ فقد أجاب عنه علماء المالكية ؛ ومنهم:
• 1) قال أبو عبد الله الحطاب(ت954هـ): "تنبيه: إنما قال المصنف (الشيخ خليل): "تجديد ضربة ليديْه" ليُنَبِّه على أن الضربة الأولى يمسح بها الوجه خاصة، والثانية يمسح بها اليدين خاصة؛ خلافا لمن يقول يمسح بكل ضربة وجهه ويديه"(14)؛ وهذا إشارة لقول الحسن بن حي وابن أبي ليلى السابق.
• 2) قال أبو عبد الله الخرشي(ت1101هـ): "وعلى المشهور يمسح بالضربة الثانية يديه فقط؛ لا يقال كيف يمسح الواجب بما هو سنة؟ لأنا نقول: أثر الواجب باق من الضربة الأولى مضافا إليه الضربة الثانية؛ بدليل أنه لو تركها وفعل الوجه واليدين معا بالأولى أجزأه"(15)، ونقله عنه الدسوقي. (16)
• 3) قال أحمد بن غنيم النفراوي: (ت1126هـ): "ثم بعد الفراغ من مسح وجهه يُسَنُّ أن يضرب بيديه الأرض ضربة ثانية تُقَوِّي ما بقي من أثر الضربة الأولى فيمسح... يمناه بيسراه"(17).
• 4) قال أبو عبد الله الشيخ عليش(ت1299هـ): "لا يقال مسحهما للكوعين فرض؛ فكيف يفعله بالضربة الثانية المسنونة؟ لأنا نقول مسحهما بأثر الضربة الأولى المفروضة، والثانية تقوية له؛ ألا ترى أنه لو اقتصر على الأولى لأجزأه وفاتتْه السنة"(18).
• 5) سئل عن هذه المسألة مفتي بلاد "التكرور" الشيخ البشير بن الحاج الهادي الأيديلبي(ت1197ه)؛ فأجاب: "بأنه يقتصر على الوجه فقط ولا يزيد بالضربة الأولى؛ لقول الحطاب في شرحه على مناسك الشيخ خليل ما نصه: السنة الثالثة أن يجدد ضربة ليديه، ولا يمسحهما بالضربة الأولى التي يمسح بها وجهه انتهى المراد منه"، ثم قال تعليقا على كلام الخرشي المتقدم: "وهذا دليل على أنه لا يمسح اليدين بالأولى لأنه لو مسح بها لمسح الواجب بما هو واجب، وأيضا فمسح اليدين بالأولى والثانية فيه تكرار، والتيمم والمسح على الخفين ليس فيهما تكرار ومناف للتخفيف، والتيمم مطلوب منه التخفيف"(19).
• 6) نظم الفقيه سعيد مرزاق إمام مسجد بالناظور المسألة في أبيات فقال:
وصفة التيمم المشهـــــــــــورة *** في كتب الفقه بها مسطورة
أن تضرب الأرض بكفك اعلما *** وتمســــــــح الوجه بها معمما
ثم اضربن الضربة الأخيـــــــــرة *** وامسح بها اليدين عن بصيرة
للمرفقين المسح فيها لمــــــن *** مذهبه ذاك فحصــل وافهمن
هذا الذي في كتب الأحنـــــاف *** والمالكيـــــــــــــة بلا إخــــــــلاف
والشافعية فذا الذي اشتهــــــر *** بها وصـــــــح واستفاض وبهر
ولم أجد بها سوى ذي الصفـة *** فاقف هداهم إن ترد أن تصفه
وقد رأيت بعض أهل العصـــر *** خالــــــــف ما قرَّ بكل مصـــــــــر
فمسح الوجـــــــه مع الكفيــــــن *** بالضربــة الأولى إلى الكوعين
ثم بثني الضربتيـــــن مسحـــــــا *** الكـــــــوع للمرفق ذاك انفسحا
فكل كَيْــــــــفٍ حقــــــــــق المراد *** فهــــــــــــــو صحيـــــح للذي أراد
وإنما الكلام في المنصــــوص *** عليه في وصفهم المخصوص
فلم أجد أصلا لذي الكيفيــــــــة *** في الكتب ثابتــــــــــــة أو منفية
فمن عليه ياصحابـــــــي وقفـــا *** فليتكرم وليقــــــــــم ما احقوقفا
● الخلاصة: لم أقف في حديث أو قول صحابي أو تابعي أو أحد الأئمة الأربعة على من قال: التيمم: ضربة للوجه والكفين، وضربة أخرى لليدين، وإن كان التييم بهذ الصفة صحيحا ولكن هل هي من الصفة المحمودة؟ هذا ما لم أعثر عليه؛ فمن عثر على نص في ذلك فليزودني به جزاه الله خيرا.
والله أعلم وهو سبحانه الموفق للصواب
الهامــــــــــــــش:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المقدمات الممهدات لابن رشد الجد: (1/114)، والبيان والتحصيل له أيضا: (1/93).
(2) المغني لابن قدامة: (1/179).
(3) صحيح البخاري: كتاب التيمم: باب المتيمم هل ينفخ فيهما؟: (ح 338)، وصحيح مسلم: كتاب الحيض: باب التيمم: (ح112).
(4) سنن أبي داود: كتاب الطهارة: باب التيمم: (ح323 و324 و325).
(5) موطأ مالك: كتاب الطهارة: باب العمل في التيمم: (ح91)، وسنن الدارقطني: (1/332 -334): (ح685 و686)، والسنن الكبرى للبيهقي: (1/319): (ح997).
(6) المبسوط للسرخسي: (1/107)، وبدائع الصنائع للكاساني: (1/45).
(7) المطالب العالية لابن حجر: (16/552).
(😎 سنن أبي داود: كتاب الطهارة: باب التيمم: (ح318 و320).
(9) المقدمات الممهدات لابن رشد الجد: (1/114)، والبيان والتحصيل له أيضا: (1/93)، والمسالك في شرح موطأ مالك لابن العربي: (2/ 236).
(10) الاستذكار لابن عبد البر: (1/312).
(11) أي: مثل قول ابن عبد البر؛ انظر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري للعيني: (4/19).
(12) المدونة لسحنون: (1/145)، وتهذيب المدونة للبرادعي: (1/208).
(13) المبسوط للسرخسي: (1/107)، وبدائع الصنائع للكاساني: (1/46).
(14) مواهب الجليل في شرح مختصر خليل للحطاب: (1/356).
(15) شرح مختصر خليل للخرشي: (1/195).
(16) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: (1/158).
(17) الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني: (1/157).
(18) منح الجليل شرح مختصر خليل لعليش: (1/154).
(19) العمل المشكور في جمع نوازل علماء التكرور لأبي عبد الله محمد المصطفى الغلاوي: (1/120-122).

خادمكم عبد الله بنطاهر السوسي التناني
يوم الجمعة 15 جمادى الأخيرة 1442هـ 29 / 1 / 2021م
مسجد الإمام البخاري عمالة أكادير إداوتنان جنوب المغرب

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

إحصاءات المدونة