بسم الله الرحمن الرحيم
السؤال: ما دليل وجوب طهارة الخبث؟ وما دليل القائلين بالسنية؟
الجواب: دليل وجوب طهارة الخبث: قوله تعالى: {وثيابك فطهر} [المدثر: 4] قال الباجي: ولا خلاف أنه ليست هاهنا طهارة واجبة للثياب غير طهارتها من النجاسة.
قال ابن عبد البر: واحتجوا بقول الله عز وجل {وثيابك فطهر} وظاهره تطهير الثياب المعروفة عند العرب التي نزل القرآن بذكرها في قوله {فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن}، {واستغشوا ثيابهم} وهذا كثير في القرآن وفي أشعار العرب وكلامها، وإن كانت قد تكني عن القلب وطهارته وطهارة الجيب بطهارة الثوب فهذه استعارة والأصل في الثوب ما قلنا. وقد روي عن ابن عباس والحسن وابن سيرين في قوله: {وثيابك فطهر} قالوا: اغسلها بالماء وأنقها من الدرن ومن القذر.
واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بغسل النجاسات من الثياب والأرض والبدن... التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (22/ 232)
وفي تطهير المكان قال سبحانه: {أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة: 125]
وإذا وجب تطهير الثياب والمكان وجب تطهير البدن من باب أولى.
هل هذا الحكم متّفق عليه بين فقهاء المذهب المالكيّ؟
ج: هذا الحكم هو أحد قولين مشهورين في المذهب المالكي، وهو الذي بنيت عليه الفروع الفقهيّة.
والمعتمد المشهور هو القول الثاني، وهو الحكم بسنّيّة التّطهير.
ما هو دليل القائلين بسنية طهارة الخبث؟
ج: دليل القائلين بسنية طهارة الخبث هو: حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه في نعليه، إذ خلعهما فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك أصحابه ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته، قال: «ما حملكم على خلع نعالكم؟» قالوا: رأيناك خلعت فخلعنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن جبريل أتاني، فأخبرني: أن فيهما قذرا»، وقال: «إذا جاء أحدكم المسجد، فلينظر، فإن رأى في نعليه قذرا، أو أذى، فليمسحه، وليصل فيهما» . وفي رواية: «خبثا». في الموضعين أخرجه أبو داود رقم (650) في الصلاة، باب الصلاة في النعل، وإسناده صحيح. نقلا من جامع الأصول (5/ 445)
ولما لم يُعِدْ ما صلّى دلّ على أن إزالتها سنة وصلاته صحيحة، ويعيد ما دام في الوقت طلبا للكمال. والله أعلم. تفسير القرطبي (8/ 263)
قال ابن عبد البر: ففي هذا الحديث ما يدل على أن غسل القذر ليس بواجب فرضا ولا كون في الثوب يفسد الصلاة لأنه لم يذكر إعادة. التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (22/ 238)
ومن قال بسنية الغسل رد على حجة من قال بالوجوب بأن "قول الله عز وجل: {وثيابك فطهر} فهذه كناية عن الكفر وتطهير القلب منه، ألا ترى أنه عطف على ذلك قوله عز وجل: {والرجز فاهجر} يعني الأوثان، فكيف يأمره بتطهير الثياب قبل ترك عبادة الأوثان، قالوا: والعرب تقول فلان نقي الثوب وطاهر الجيب إذا كان مسلما عفيفا، يكنون بذلك عن سلامته ويريدون بذلك غسل ثوبه من النجاسة، قالوا: ويبعد أن يكون الله عز وجل يعطف النهي عن عبادة الأوثان على تطهير الثياب من النجاسات، قالوا: ودليل ذلك أن هذه السورة نزلت قبل نزول الشرائع من وضوء وصلاة وغير ذلك، وإنما أريد بها الطهارة من أوثان الجاهلية وشركها ومن الأعمال الخبيثة. التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (22/ 235)
ورد الباجي على هذا بقوله: وأما قولهم إن الآية نزلت قبل الأمر بالصلاة وفي ذلك دليل على أن المراد بذلك القلب فغير صحيح لجواز أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - خص بذلك في أول الإسلام وفرض عليه دون أمته ثم ورد الأمر بذلك لأمته.
وجواب ثان: وهو أن شرع من قبلنا شرع لنا فيحتمل أن يكون قد اتبع في الصلاة شرع من قبله من النبيين فوجب ذلك باتباعهم وتأخر الأمر به بنص شرعنا عن ذلك الوقت فلا يمتنع أن يكون قد أمر على الوجهين بتطهير الثياب للصلاة في أول الأمر ثم ورد بعد ذلك نص الأمر بالصلاة والدليل على ما قلناه من جهة السنة ما رواه البخاري حدثنا محمد بن المثنى حدثنا محمد بن حازم حدثنا الأعمش عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس قال «مر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقبرين فقال إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستتر من البول وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة ثم أخذ جريدة رطبة فشقها بنصفين فغرز في كل قبر واحدة قالوا يا رسول الله لم فعلته قال لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا». المنتقى شرح الموطإ (1/ 41)
فضيلة الشيخ جمال مرسلي
