بسم الله الرحمن الرحيم
السؤال:الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هديه ورشده.
وبعد؛ فقد سألني طالب عن حكم من صلى بالتيمم خوفا من خروج وقت الصلاة هل تصح صلاته في المذهب المالكي؟
ذكر الفقهاء من الأعذار المبيحة للتيمم ثلاثة: عذران باتفاق، وعذر فيه خلاف:
● أولا: العذران المتفق عليهما هما: المرض، وعدم الماء؛ وفيه اثنتا عشرة حالة حسب التالي:
1) المرض؛ ذكر المالكية فيه ثلاث حالات؛ وينقسم إلى قسمين:
أ) المرض الواقع؛ بحيث يخاف المريض من استعمال الماء أحدَ الأمرين: زيادة حدة المرض، أو تأخر شفائه؛ بناء على التجربة أو نصيحة طبيب ثقة؛ وهذه حالتان.
ب) المرض المتوقع بحيث يخاف المستعمل للماء حدوث مرض؛ بناء على التجربة أو نصيحة الطبيب؛ وهذه حالة واحدة.
2) عدم الماء؛ ذكر المالكية فيه تسع حالات في أربعة أقسام:
أ) انعدام الماء نهائيا؛ في حالة مَن كان في مكان لا يوجد فيه من الماء ما يشرب ولا ما يتوضأ به؛ وهذا يمكن أن يحدث في الحالات غير العادية؛ كحالة حرب أو التيه في صحراء أو غابة؛ وهذه حالة واحدة.
ب) وجود الماء بعيدا عنه؛ ويخاف إذا طلبه وبحث عنه من أحد الأمرين: تلف مال له بال كان معه، أو خروج وقت الصلاة؛ وهذه حالتان.
ج) وجود الماء قريبا منه ولكنه لم يستطع الوصول إليه؛ إما عجزا لعدم وجود من يناوله إياه كالمشلول، أو لعدم وجود آلة السقي من بئر مثلا، وإما خوفا على نفسه من ظالم أو حيوان عاد أو مفترس، أو خوفا من فوات رفقة في سفر(1)؛ ومثله اليوم فوات الحافلة أو القطار أو الطائرة؛ وهذه أربع حالات.
د) وجود الماء قريبا منه مع العطش: إذا كان معه من الماء ما لا يكفيه للطهارة والشرب معا؛ بحيث يخاف إذا توضأ أحدَ الأمرين: العطش على نفسه أو إنسان معه، أو عطشَ حيوان محترم معه؛ مثل: "دابة أو كلب مأذون في اتخاذه"(2)؛ فيقدم الشرب حفاظا على الإنسان والحيوان؛ وهذه حالتان.
قال الشيخ خليل: "يَتَيَمَّمُ ذُو مَرَضٍ وسَفَرٍ أُبِيحَ، لِفَرْضٍ ونَفْلٍ، وحَاضِرٌ صَحَّ... إِنْ عَدِمُوا(3) مَاءً كَافِياً، أَوْ خَافُوا بِاسْتِعْمَالِهِ مَرَضاً، أَوْ زِيَادَتَهُ، أَوْ تَأَخُّرَ بُرْءٍ، أَوْ عَطَشَ مُحْتَرَمٍ مَعَهُ، أَوْ بِطَلَبِهِ تَلَفَ مَالٍ، أَوْ خُرُوجَ وَقْتٍ، كَعَدَمِ مُنَاوِلٍ، أَوْ آلَةٍ"(4).
● ثانيا: العذر المختلف فيه؛ هو: الخوف من خروج وقت الصلاة؛ "سواء كان اختياريا أو ضروريا"(5) إذا اشتغل بالطهارة من الغسل أو الوضوء؛ مع وجود الماء، والقدرة على استعماله، وانعدام المرض المانع من استعماله، وهي المسألة الواردة في السؤال؛ وقد اختلف فيه المالكية على ثلاثة أقوال رويت عن الإمام مالك وابن القاسم أشار إليها الشيخ خليل بقوله: "وهَلْ إِنْ خَافَ فَوَاتَهُ بِاسْتِعْمَالِهِ؟ خِلافٌ"(6).
• القول الأول: الراجح(7): أن من خاف خروج وقت الصلاة إذا اشتغل بالطهارة جاز له التيمم، ولا يستعمل الماء إذا كان موجودا، ولا يطلبه إذا كان مفقودا؛ محافظة على أداء الصلاة في وقتها(8)؛ روى أبو جعفر الأبهري أن الإمام مالكا قال: "ويجوز التيمم إذا خاف فوات الوقت متى تشاغل بالغسل أو الوضوء"(9)، قال ابن يونس: "وهو الصواب عندي"، وقال أيضا: "وهذا أقيس الأقوال"(10)، واستنبطه اللخمي وعياض من قول الإمام مالك في المدونة: "ومن خاف في حضر أو سفر إن رفع الماء من البئر ذهاب الوقت، تيمم وصلّى، ولا إعادة عليه إذا توضأ بعد ذلك"(11)، وشهره ابن الحاجب(12) واختاره شارحه ابن عبد السلام التونسي الهواري فقال: "وهذا ليس خاصا بهذا الفرع؛ بل كل متيمم فلا بد أن يخشى فوات الوقت قبل صحته إن كان مريضا، وقبل وجود الماء إن كان صحيحا"(13)؛ وبه قال تلميذ أبي حنيفة زفر بن هديل من الحنفية(14). وحجة هذا القول: الكتاب، والسنة:
أما الكتاب؛ فمن أجل الفرارا من إخراج الصلاة عن وقتها؛ لقوله تعالى: {إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ كِتَٰبٗا مَّوۡقُوتٗا}(15).
وأما السنة؛ فلأن التيمم إنما شرع في الأصل لإدراك الوقت(16)؛ فقد روى مالك والبخاري ومسلم عن عائشة: «أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت، فبعث رسول اللهﷺ رجلا فوجدها، فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء، فصلوا؛ فشكوا ذلك إلى رسول اللهﷺ فأنزل الله آية التيمم، فقال أسيد بن حضير لعائشة: جزاك الله خيرا، فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه، إلا جعل الله ذلك لك وللمسلمين فيه خيرا»(17).
وبناء على هذا قال بعض المالكية: هذا هو المعتمد مراعاة لفضيلة الوقت(18).
• القول الثاني: المشهور أن من خاف خروج وقت الصلاة إذا اشتغل بالطهارة لا يجوز له التيمم؛ بل يتوضأ أو يغتسل ولو أدى ذلك إلى قضاء الصلاة بعد خروج وقتها؛ حكى فيه عبد الحق الصقلي الاتفاق عن بعض علماء القرويين؛ وقال: بأن قول الإمام مالك السابق في المدونة: "ومن خاف في حضر أو سفر إن رفع الماء من البئر ذهب الوقت، تيمم وصلّى" إنما ورد في الاشتغال بالوسيلة التي توصل إلى الوضوء وهو البحث عن الماء، وليس في الاشتغال بالوضوء وهو الوسيلة التي توصل إلى الصلاة؛ لأن الشغل بالبحث عن الماء شغلٌ بأسباب الطهارة، والشغل بالوضوء شغلٌ بنفس الطهارة فبينهما فرق(19)؛ وجاء في الموازية: أن الإمام مالكا قال: "ويطلب الماء وإن خرج الوقت"(20). وهو قول المذاهب الثلاثة: الحنفية والشافعية والحنابلة(21).
وحجة هذا القول: أن الله تعالى ذكر من أسباب التيمم أمرين: المرض وانعدام الماء؛ فوجب ألا يتعدى إلى غيرهما(22) فقال سبحانه: {وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا فَٱطَّهَّرُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُم مِّنۡهُ}(23).
وبناء على هذا قال بعض المالكية: فلا أقل من أن يكون هذا القول مشهورا(24).
• القول الثالث: يتيمم ويصلى، ثم يتوضأ ويعيد الصلاة؛ وذلك لما ترجح القولان السابقان كما تقدم كان الاتيان بالاحتياط أولى؛ فيصلي بالتيمم ليدرك فضيلة الوقت، ويعيد بالوضوء خوفاً أن يكون ذلك التيمم لا يجزئه؛ لأن القرآن الكريم حدد للتيمم سببين فقط: المرض، وعدم الماء، فيأتي بالأمرين احتياطا. والله أعلم(25).
● الخلاصة: أعذار التيمم اثنان: المرض، وانعدام الماء باتفاق العلماء؛ واختلف المالكية في الثالث وهو: الخوف من خروج وقت الصلاة إذا اشتغل بالطهارة؛ فرجح بعضهم التيمم خوفا من إخراج الصلاة عن وقتها؛ بينما شهَّر آخرون وجوب الوضوء والغسل ولو خرج وقت الصلاة بالاشتعال بالطهارة، وجمع بعضهم بين القولين احتياطا؛ فقال: يتيمم ويصلي حفاظا على الصلاة في وقتها ثم يتوضأ ويعيد الصلاة؛ وأيَّها فعل المصلي صحت صلاته ولله الحمد.
والله أعلم وهو سبحانه الموفق للصواب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهامــــــــــش:
(1) ينظر: تفسير القرطبي: (5/228)، ومواهب الجليل للحطاب: (1/336).
(2) شرح الزرقاني على مختصر خليل وحاشية البناني: (1/206).
(3) الضمير في "عَدِمُوا" عائد إلى المسافر والمريض والحاضر الصحيح. شرح الخرشي: (1/185 و186).
(4) مختصر خليل: (ص: 24).
(5) حاشية العدوي على شرح الخرشي لمختصر خليل: (1/187).
(6) مختصر خليل: (ص: 24).
(7) شرح الزرقاني على مختصر خليل وحاشية البناني: (1/209).
(8) الخلاصة الفقهية على مذهب السادة المالكية للعربي القروي: (ص: 33).
(9) التبصرة للخمي: (1/183).
(10) الجامع لابن يونس: (1/330 و332).
(11) تهذيب المدونة للبرادعي: (1/210)، والتبصرة للخمي: (1/182)، والتنبيهات للقاضي عياض: (1/113).
(12) جامع الأمهات مختصر ابن الحاجب: (ص: 65).
(13) تنبيه الطالب لفهم جامع ابن الحاجب لعبد السلام الهواري التونسي: (1/142).
(14) البحر الرائق لابن نجيم الحنفي: (1/167).
(15) سورة النساء: (الآية: 102).
(16) الجامع لابن يونس: (1/329).
(17) الموطأ لمالك: كتاب الطهارة: باب في التيمم: (رقم: 169)، وصحيح البخاري: كتاب التيمم: باب إذا لم يجد ماء ولا ترابا: (رقم: 329) وصحيح مسلم: كتاب الحيض: باب التيمم: (رقم 367)..
(18) شرح المختصر للخرشي بحاشية العدوي: (1/187)، والشرح الكبير للدردير بحاشية الدسوقي: (1/151).
(19) النكت والفروق لعبد الحق الصقلي: (1/42)، والتنبيهات للقاضي عياض: (1/113).
(20) التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب للشيخ خليل: (1/182).
(21) البحر الرائق لابن نجيم الحنفي: (1/167)، وأسنى المطالب لزكريا الأنصاري الشافعي: (1/73)، والمغني لابن قدامة الحنبلي: (1/196).
(22) الجامع لابن يونس: (1/330).
(23) سورة المائدة: (الآية: 7).
(24) شرح المختصر للخرشي بحاشية العدوي: (1/187)، والشرح الكبير للدردير بحاشية الدسوقي: (1/151).
(25) الجامع لابن يونس: (1/330).

